الراغب الأصفهاني

514

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقولي ثوى طود المكارم والعلى * وعطّل ميزان من الحلم راجح « 1 » من أظهر جزعا عند موته لما أحضر حجر بن عدي ليقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين ، وأظهر جزعا . فقيل له أتجزع ؟ فقال : كيف لا ؟ وإني لأرى سيفا مشهورا وقبرا محفورا ، ولست أدري إلى جنة يمضي بي أم إلى نار ؟ وبكى الحسن بن علي عليهما الرضوان فقيل له : ما يبكيك ؟ وقد ضمن لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجنة . فقال : إني أسلك طريقا لم أسلكها وأقدم على سيد لم أره . وقيل لبشر بن الحارث : كرهت الموت فقال : القدوم على اللّه شديد . من أظهر النّدم عند موته ما فرّط منه قال عبد الملك عند موته : وددت أنّي كنت غسالا آكل كل يوم كسب يومي لا يفضل عنّي . فقيل ذلك لأبي حازم فقال : الحمد للّه الذي جعلنا بحيث يتمنى الملوك حالنا عند الموت ولا نتمنى حالهم . ولما نزل الموت بهشام جعل ولده يبكون عليه فقال : جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء ، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب . ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر اللّه له . ولما أدنف المأمون أمر أن يفرش له فجعل يتمرّغ فيه ويقول : كلّ عيش وإن تطاول يوما * صائر مرّة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل يومي هذا * في قلال الجبال أرعى الوعولا « 2 » وأغمي عليه ثم أفاق ، وهو يقول : لبيكما لبيكما * ها أنا ذا لديكما اللهم لا بريء فأعتذر ولا قويّ فأنتصر ، ثم أغمي عليه فلما أفاق ، قال : إن تغفر اللهم تغفر جمّا * وأي عبد لك ما ألمّا وتمثّل عضد الدولة عند موته بقول القاسم بن عبيد اللّه : قتلت صناديد الرجال ولم أدع * عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا « 3 » وأخليت دور الملك من كل نازل * فشرّدتهم غربا وبدّدتهم شرقا فلمّا بلغت النجم عزّا ورفعة * وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا رمى لي الرّدى سهما فأخمد جمرتي * فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى « 4 » فأذهب دنياي وديني سفاهة * فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى « 5 » ؟

--> ( 1 ) الحلم : العقل . ( 2 ) قلال الجبال : أعلاها . ( 3 ) صناديد الرجال : السادة الشجعان . ( 4 ) الردى : الموت - أخمد جمرتي : أطفأ جذوة حياتي وأهلكني . ( 5 ) سفاهة : جهلا وطيشا .